نوافذ الأقصى.. قصة الجمال التي لايعرفها أحد




 



نوافذ الأقصى.. قصة الجمال التي لايعرفها أحد 

لو دققت النظر مرة في تلك الزاوية وشدك الفضول لدخولها، لوجدت أن غرفة صغيرة – ملاصقة للمصلى القبلي – قد تآكلت جدرانها يغطيها سقف من “الزينكو” لا يقي حر الصيف ولا برد الشتاء ، وباب حديديٌ صدئُ كلما فتحته أو أغلقته سمعت أزيزًا مزعجا لقدم وجوده، يخرج منها كل هذا الجمال العظيم. أنهى بشير الموسوس دراسته الثانوية عام 1971، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة حرمته من الانتقال للمراحل الجامعية، ليشق طريقه بتميز وإبداع في مجال صناعة الجبص المعشق بالزجاج الملون، دون أن يتنازل عن شغفه في طلب العلم الذي بحث عنه بشكل فردي في الكتب الدينية والسياسية وغيرها، وينجح بثقافته الفردية الواضحة في أسلوب كلامه، وإبداعه في مجال علمه بتعليم بناته الثلاث وابنه الوحيد وتمكينهم مما عجز هو عن تحقيقه. منذ عقود يغادر الموسوس منزله عند السابعة صباحا إلى ورشته المتواضعة التي تظنها لو مررت من جوارها خربة مهجورة، أما عمله فهو ترميم نوافذ مصليات المسجد الأقصى وتحديثها، وهي المهنة التي تعلمها من والده الراحل موسى الموسوس منذ كان شابا. وعن رحلته في هذه المهنة، يقول الموسوس، “كان المرحوم داوود عابدين يعمل قديما في صناعة هذه النوافذ، حيث استدعوه للعمل في ترميم نوافذ المسجد الاقصى بعد حرقه عام 1969. ثم شاركه والدي في العمل، وبدأت بتعلم المهنة منهما عام 1979، حتى بدات العمل بشكل رسمي عام 1982، وكان لابد أن أملك فيضًا وافيًا من الصبر والحرفية لأستمر في هذا العمل”. وتكتسب النوافذ الجبصية جمالها من خلال خيوط ذهبية تتسلل من أشعة الشمس على ألوانها المختارة بعناية فائقة، فالزخارف النباتية والهندسية يعاد إحياؤها كما كانت عليه في السابق، وتزداد جمالا كلما وهبتها من وقتك وجهدك، وما يضيف إلى الشعر بيتًا هو أن حفر الجبس يكون بزاوية ميل تسمح لكل الاشخاص مهما تفاوت طولهم أن يشاهدوا جمال الألوان المنعكسة على الجبس المخفي، لتكتمل بذلك آية من الجمال والرونق.
ويبين الموسوس، أن الوقت الذي تستغرفه كل نافذة في العمل مرتبط بنوع الزخرفة فيها، فمنها ما يحتوي على زخارف هندسية ونباتية ، يحتاج كل متر مربع فيها  حوالي 140 ساعة فما فوق، فيما تستغرق نوافذ أخرى لا تحتوي على  طبقات أرضية لـ 120 ساعة من العمل في كل متر مربع منها. ” لو كان هناك تربة خصبة في القدس لقتل الاحتلال جذورها”، هكذا أجاب بشير حينما سألته عن الاضرار التي لحقت بالمسجد الاقصى في الاعتداءات الاخيرة، مبينا، أن قوات الاحتلال دمرت 8 نوافذ ما بين شبابيك خارجية وداخلية، منها نافذتين بالكامل داخلية وخارجية عند مصلى الجنائز، إضافة لنافذتين قمنا باستحداثهما، حيث تمكنا من جعلهما يفتحان بزاوية معينة لقلة التهوية في المصلى القبلي وبذلك تساعدان على مرور الهواء بين الفينة الاخرى لداخل المصلى. تغيرت تعابير وجهه وهو يتذكر تعبه الذي قضاه في صنع هذه الشبابيك بحب وشغف يتناثر في أرجاء الغرفة، وقال، “أحتاج لعامين آخرين لأصلح ما دمره الاحتلال في بضع لحظات”. ويوضح الموسوس أن عمله حياته، مضيفًا، “أنا اعمل في هذه المهنة حوالي 35 سنة، هذه السنوات كانت كفيلة بأن تشكل بها عمري، ففي بداية عملي كنت في الثامنة والعشرين من العمر، والآن أنا أبلغ من العمر 62 عاما، أي أني أعمل في الزجاج ما يفوق عمري منذ بدأت به بسبع سنوات. ويعتمد الموسوس في عمله على فكرة “الشبابيك المصرية”، ويبين، أن الفرق بينها وبين المحلية الصنع أن المصرية يجري فيها تركيب قطع الزجاج بطريقة لا تحتوي على رتابة، فيكون اختلاف بين واجهة الزجاج وغيره في الشغل أما محلي الصنع فيحتوي على نفس الرتابة من الأمام والخلف. “بالهمس وليس باللمس”، هذه الجملة أقولها لكل الزوار لأن سمك الجبس من الأمام هو ملم واحد ويكون دقيقًا جدًا”، أما من الخلف فيكون السمك 3 ملم لكي يتسنى لنا إلصاق الزجاج ببعضه البعض بحيث يحافظ على شكله وتكون المساحة قاسمًا مشتركا لزجاجتين”. ويوضح الموسوس، أن السر في العمل يكمن في اعتماده على الظلال المنعكسة من خلال الاضاءة الخلفية لحفر الجبس، ويحتاج هذا الأمر إلى حرفية عالية وخبرة كبيرة. أما بالنسبة لموقع النوافذ فيقول، “في الجهة الشرقية من المسجد أختار ألوان قاتمة للزجاج بسبب قوة أشعة الشمس، أما في الجهة الغربية والتي تغيب منها الشمس فيكون وصول الأشعة لداخل المصلى ضعيفًا لذلك أستخدم الألوان الفاتحة لتدخل أكبر قدر من الضوء”. ورغم استمتاعه الشديد بها وإبداعه الكبير فيها، إلا أن مهنة الموسوس لا تخلو من متاعب وأمراض، فالضغط الشديد على يده اليسرى أدى لتكلس فيها وضغط على الأعصاب من الكوع حتى كفة يده، إحتاج على إثرها لتدخل جراحي انتهى بعدم قدرته على فتح يده بالكامل وتحريك أصبعيه الخنصر والبنصر. كما أصيب الموسوس بضغط  على فقرات رقبته وآخر ظهره بسبب وضعية الجلوس التي اعتاد جسده عليها أثناء الحفر، كما سبب انعكاس الضوء على الجبس آلاما في عينه. لكن وبالرغم من كل ذلك فإن الموسوس مازال متمسك بممارسة مهنته حتى بعد أن تجاوز سن التقاعد (60 عاما). ويعرب الموسوس عن رغبته الشديدة في تعليم مهنته لشاب يجد لديه الرغبة في متابعة الإبداع الذي يقدمه منذ عقود للمسجد، لكن عددا من الشبان الذين حاولوا تعلمها انسحبوا بعد وقت قصير بسبب صعوبة العمل والضغط الشديد فيها، ويعلق، “هذه المهنة تحتاج إلى الكثير من الصبر وهذا غير موجود لدى جيل اليوم”. تجدر الإشارة إلى أن أغلب النوافذ الموجودة الآن في المسجد الاقصى هي نوافذ صنعت منذ خمسينيات القرن الماضي، ويقال إن هذه النوافذ موجودة في المتحف الاسلامي منذ عهد الفاطميين، أما النوافذ الموجودة اليوم مصنوعة بالطريقه التركية أي أنها جبسية معشقة بالزجاج الملون.